محمد بن جعفر الكتاني

409

سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس بمن أقبر من العلماء والصلحاء بفاس

[ 371 - الإمام المربي الشريف سيدي علي ( الجمل ) بن عبد الرحمن العمراني ] ( ت : 1194 ) ومنهم : الشيخ العارف باللّه ، الدال على اللّه ، شيخ الطريقة ، وإمام أهل الحقيقة ، معدن المواهب الربانية ، ومنبع المعارف الإلهية ، قطب الأنام ، وغياث الإسلام ، الغوث الجامع ، والبحر الواسع ، الكبريت الأحمر ، والحجة الأشهر ؛ أبو الحسن سيدي علي بن عبد الرحمن بن محمد بن علي بن إبراهيم بن عمران الشريف الحسني الإدريسي العمراني من شرفاء بني عمران أهل قبيلة بني حسان ؛ الملقب بالجمل لكونه وجد ناقة أو بعيرا راقدا ببعض طرق بفاس ؛ فرفعه ووضعه خارج الطريق . فرآه بعض الناس فقال : هذا هو الجمل . فاشتهر بذلك ، وهو ملقب عند ملائكة الرحمن بالجمال . كان - رحمه اللّه - أولا بفاس متصلا بالمخزن « 1 » ، ثم خرج منها إلى تونس على عهد السلطان أبي عبد اللّه محمد ؛ المدعو : ابن عربية . ابن أمير المؤمنين مولانا إسماعيل خوفا على نفسه من أشرافها ، إذ كان ممن تولى أمرهم من قبل السلطان ولحقتهم الإذاية منه . فلقي بتونس مشايخ انتفع بهم ، وبعثوه إلى وازان عند الشيخ مولاي الطيب الوازاني رضي اللّه عنه ؛ فلقيه بوازان عام ثلاثة وخمسين ومائة وألف ، ثم بعثه مولاي الطيب إلى فاس ، فقدم عليها ؛ وذلك في السنة المذكورة ، وقرأ بها ما شاء اللّه من التصوف على الشيخ أبي عبد اللّه جسّوس ، وصحب العارف الأكبر أبا المحامد سيدي العربي بن أحمد ابن عبد اللّه معن الأندلسي ، ولزم خدمته مدة من ستة عشرة عاما ، حتى انتفع به غاية النفع ، وسمع منه من الأسرار ما لا يكيف ولا ينحصر . وكان قد فتح له أولا على يد شريف كبير السن حسن الوجه من ناحية المشرق ؛ يقال له : عبد اللّه . وجده بتطوان وصحبه بها سنتين ، ثم لما توفي شيخه سيدي العربي ؛ بنى لنفسه زاوية بالرميلة حيث ضريحه الآن ، وكثر أتباعه وخدامه . وكان - رضي اللّه عنه - آخذا بالشريعة في جميع [ 358 ] أحكامها ، لا يتعدى أمرها ، ويلبس تارة فاخر الثياب ، وتارة رثها ، وينتعل تارة بالنعل المعروف بالشربيل « 2 » ، وتارة يحفي قدمه بالكلية ، ويمد يده بالسؤال لقوم مخصوصين بلا إلحاح ولا إلحاف . وأكثر ما تراه جالسا في القرويين بالباب المظلم لناحية باب فندق سيدي عبد المجيد ، دائم الفكرة ، كثير العبرة والعبرة ، وإذا كلمته ؛ وجدت منه بحرا زخارا بالعلم والعرفان ، وكان من أجل شيوخ الطريق من أهل تجريد الظاهر والباطن معا ؛ متقشفا ذاكرا خاضعا متواضعا ، خاليا عن الدعوى محيدا عن أهلها ، مولعا بالوحدة وكتبها ، وقوانين أهلها ، وله اليد الطولى في أصولها وفروعها وحقيقتها ، على طريقة الشيخ أبي الحسن الششتري ونظرائه من الأكابر .

--> ( 1 ) أي : حاشية القصر الملكي . أو : من رجال السلطة . ( 2 ) نعل مدبب الرأس مرفوعه ملون ، غالي الثمن ، أشبه بنعال سكان باكستان ووسط آسيا .